مقبولية مستخرجات كاميرات المراقبة في الإثبات أمام القضاء السوداني
يتناول المقال حجية تسجيلات كاميرات المراقبة أمام القضاء السوداني، وشروط قبولها وقوتها في الإثبات، خاصة سلامة المصدر وعدم التلاعب بالتسجيل.
أصبحت كاميرات المراقبة من أهم وسائل توثيق الوقائع في العصر الحديث، وانتشرت بصورة واسعة في المصارف والمؤسسات والأسواق والمحال التجارية والمرافق العامة والخاصة. ومع هذا الانتشار برز سؤال قانوني مهم: هل تصلح التسجيلات المستخرجة من كاميرات المراقبة لأن تكون بينة أمام القضاء؟ وهل يجوز للمحكمة أن تعتمد عليها في تكوين عقيدتها؟
في تقديري، فإن تسجيلات كاميرات المراقبة يمكن أن تكون بينة مقبولة أمام القضاء السوداني متى توافرت فيها عناصر السلامة والموثوقية، ولم يثبت ما يقدح في مصدرها أو محتواها أو طريقة الحصول عليها. غير أن هناك تمييزاً مهماً بين قبول الدليل وبين قوته في الإثبات؛ The admissibility of the evidence and its evidentiary weight.
فقبول المحكمة للتسجيل كبينة لا يعني بالضرورة أنها ستمنحه وزناً حاسماً، وإنما تظل قيمته خاضعة لتقدير المحكمة في ضوء ظروف الدعوى وبقية البينات.
وقد أرسى قانون المعاملات الإلكترونية لسنة 2007م أساساً مهماً للاعتراف بالسجلات والمستندات الإلكترونية، إذ لا ينكر القانون الأثر القانوني للمعلومات الواردة في السجل الإلكتروني لمجرد كونها في شكل إلكتروني، كما يوجه إلى مراعاة مدى الثقة في طريقة إنشاء السجل وحفظه وبثه والمحافظة على سلامة المعلومات التي يتضمنها عند تقدير حجيته في الإثبات.
ويتسق ذلك مع اتجاه القضاء السوداني في التعامل مع الوسائط الإلكترونية؛ فقد اعتبرت المحكمة العليا الصور الموجودة داخل الهاتف من المستندات العادية التي يعتد بها كبينة وحجة في الإثبات، كما اعتبرت في حكم آخر أن الدليل المتحصل عليه من تسجيل المكالمات الهاتفية يدخل في نطاق المستندات العادية. ومن ثم فإن كون الدليل في صورة تسجيل إلكتروني لا يجعله مرفوضاً بذاته، وإنما تظل المسألة مرتبطة بسلامته ومصدره ومدى صلته بالواقعة محل الإثبات.
وتكمن المسألة الأساسية في تسجيل كاميرات المراقبة في مدى أصالته وسلامته. فإذا قدم التسجيل أمام المحكمة، فمن الطبيعي أن يثار السؤال عن مصدره، ومن قام باستخراجه، وما إذا كان هو التسجيل الأصلي أم نسخة منه، وما إذا تعرض للحذف أو القص أو المونتاج، وكذلك مدى صحة التاريخ والوقت الظاهرين فيه.
ولهذا يكون التسجيل أكثر قوة عندما يمكن ربطه بجهاز التسجيل الأصلي الخاص بكاميرات المراقبة وإثبات كيفية استخراجه وحفظه. وقد يكون جهاز التسجيل من نوع **DVR، أي Digital Video Recorder، ومعناه "مسجل الفيديو الرقمي"، وهو يستخدم عادة مع الكاميرات التناظرية؛ أو من نوع NVR، أي Network Video Recorder، ومعناه "مسجل فيديو الشبكة"، ويستخدم عادة مع كاميرات الشبكة أو الكاميرات الرقمية (IP Cameras). وبعبارة أبسط، فهما جهازان لحفظ وتسجيل ما تلتقطه كاميرات المراقبة، وإن اختلفت التقنية التي تعمل بها الكاميرات المتصلة بكل منهما. أما إذا قدم مقطع منفرد دون بيان مصدره أو طريقة الحصول عليه، فقد يثار نزاع حول سلامته، وهو أمر قد يؤثر في وزنه الإثباتي حتى إذا قبلته المحكمة من حيث المبدأ. ولا يشترط بالضرورة الاستعانة بخبير فني في كل قضية لمجرد تقديم تسجيل كاميرا مراقبة، خصوصاً إذا لم ينازع الخصم في صحته. لكن إذا ادعى وجود مونتاج أو حذف أو تعديل تقني، فقد تصبح الخبرة الفنية ضرورية لمساعدة المحكمة في التحقق من سلامة التسجيل. كما أن طريقة الحصول على التسجيل قد تكون محل مناقشة، إلا أن مجرد إثارة هذا الاعتراض لا يعني بالضرورة استبعاده بصورة آلية؛ وإنما تنظر المحكمة في النصوص القانونية واجبة التطبيق وظروف الحصول عليه ومدى تأثير ذلك في مشروعيته وقيمته الإثباتية.
ومن المهم كذلك ألا نبالغ في قيمة التسجيل المصور. فظهور شخص في كاميرا المراقبة في مكان معين أو في وقت معين قد يثبت واقعة ظهوره، لكنه لا يعني بالضرورة أنه ارتكب الجريمة محل الاتهام. ولذلك ينبغي النظر إلى التسجيل في سياق مجموع الأدلة، فقد يتكامل مع شهادة الشهود أو المستندات أو غيرها من القرائن.
كما أن وجود تسجيل مصور لا يغني دائماً عن الشاهد؛ فقد تكون هناك حاجة إلى شخص يثبت مصدر التسجيل، أو يوضح كيفية عمل نظام المراقبة، أو يبين أن النسخة المقدمة للمحكمة مستخرجة من النظام الأصلي. وقد يكون ذلك أكثر أهمية عند وجود منازعة جدية حول سلامة التسجيل.
ومن هنا يمكن القول إن مستخرجات كاميرات المراقبة أصبحت من الأدلة المهمة في العصر الحديث، وأن التعامل معها قضائياً ينبغي ألا يقوم على رفضها لمجرد طبيعتها الإلكترونية، كما لا ينبغي منحها حجية مطلقة لمجرد أنها تسجيلات مصورة.
فالقاعدة الأصح هي أن قبول الدليل شيء، وقوته في الإثبات شيء آخر. والتسجيل يكون أكثر قوة كلما أمكن إثبات مصدره وسلامة استخراجه وعدم تعرضه للتعديل، واتساقه مع بقية الأدلة.
وفي النهاية، تبقى الكلمة للمحكمة، فهي التي تقدر قيمة التسجيل في ضوء ظروف الدعوى ومجمل البينات. فكاميرا المراقبة قد تسجل الواقعة، لكنها لا تحكم عليها؛ والتسجيل قد يكون بينة معتبرة، لكنه لا يصبح حجة قاطعة إلا بقدر ما تطمئن المحكمة إلى مصدره وسلامته ومضمونه.
