✦ آخر مقال
مؤشرات البورصات.. كيف تُقرأ الأرقام، ولماذا تتحرك الأسواق؟
الرجوع إلى الصحافة الحديثة
الصحافة الحديثةنص كامل مؤرشفمقالات قانونية

نقابة المحامين السودانيين بين اللجنة التسييرية والنقابة الجديدة..من يملك الصفة؟ ومن يحمي المحامي؟

بقلم: الطيب شيقوق / المحامي والمستشار القانوني.النشر: 2026-10-09المصدر: فايف دبليوز نيوز⁠

يناقش المقال الخلاف حول الصفة القانونية لتمثيل المحامين السودانيين، وآثاره على المحامين والمواطنين، ويدعو إلى حسم المرجعية وحماية الإجراءات والمراكز القانونية السابقة.

ليس أخطر على المهن القانونية من أن يصبح المحامي نفسه غير قادر على معرفة الجهة التي تمثله، أو الجهة التي ينبغي أن يراجعها، أو الجهة التي يعتد بقراراتها. وهذا هو جوهر الأزمة التي تعيشها نقابة المحامين السودانيين اليوم؛ أزمة لم تعد مجرد خلاف بين أشخاص أو مجالس، وإنما أصبحت مسألة تتصل بالصفة القانونية والاختصاص، وبمصير آلاف المحامين الذين يجدون أنفسهم بين جسمين، لكل منهما موقفه من الآخر. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي جهة يحتكم المحامي؟ وهل المرجعية هي اللجنة التسييرية التي تتمسك بشرعيتها، أم النقابة التي تمارس حالياً نشاطاً مهنياً في بورتسودان وتقدم خدمات للمحامين؟ والأهم من ذلك كله: ما مصير الإجراءات والخدمات النقابية التي أنجزها المحامي في ظل هذا الانقسام؟ أولاً: كيف بدأت الأزمة؟ تعود جذور الأزمة إلى عام 2019، حين حُلت المكاتب التنفيذية المنتخبة للتنظيمات النقابية، وشُكلت لجان تسييرية. ثم جاء القرار القضائي رقم 197 لسنة 2022، الذي ألغى قرار لجنة التفكيك رقم 3 لسنة 2019، وأعاد – من الناحية القضائية – المكاتب التنفيذية المنتخبة إلى وضعها السابق، مما أثار نزاعاً إجرائياً حول كيفية تنفيذه ومداه التطبيقي. غير أن الأمر لم يستقر؛ ففي يناير 2023 صدر المرسوم الدستوري رقم 1 لسنة 2023 بتجميد أنشطة التنظيمات ومنح مسجل عام تنظيمات العمل سلطات لتصريف أعمالها. ثم صدر المرسوم الدستوري رقم 4 لسنة 2025 بإلغاء المرسوم السابق. وقد أكدت وزارة العدل أن هذا الإلغاء أعاد التنظيمات إلى ممارسة نشاطها وفق القوانين المنظمة لها. لكن في المقابل، أصدر مسجل عام تنظيمات العمل في 29 مايو 2025 قراراً بإنهاء الدورات الانتخابية للمكاتب التنفيذية للتنظيمات النقابية وتحويلها إلى لجان تمهيدية بموجب شهادات يصدرها المسجل، إلى حين بدء إجراءات الدورة الانتخابية الجديدة. وهنا تباينت وجهات النظر حول السؤال الأهم: من يملك سلطة إدارة التنظيم النقابي في هذه المرحلة؟ ثانياً: لماذا أصبح هناك جسمان؟ الجهة التي تمثل اللجنة التسييرية تتمسك بأن لها سنداً قانونياً وتاريخياً في إدارة النقابة، وتطعن في مشروعية بعض الإجراءات والقرارات الصادرة عن الجهات الأخرى. وفي المقابل، توجد نقابة محامين تمارس نشاطاً فعلياً، ولها هيكل إداري وخدمات إلكترونية ومهنية، وتعلن على موقعها الرسمي أنها الجهة المهنية المسؤولة عن تنظيم وتطوير مهنة المحاماة وتمثيل المحامين، وتقدم خدمات تشمل إصدار وتجديد البطاقات النقابية وقيد المحامين تحت التمرين ومتابعة الشكاوى وغيرها. لكن وجود نشاط فعلي لا يحسم وحده مسألة الشرعية القانونية، كما أن مجرد الاعتراض على جهة لا يكفي وحده لإسقاط آثار أعمالها. فالفيصل في النهاية هو القانون والجهة القضائية المختصة. ثالثاً: موقف مسجل عام تنظيمات العمل المسجل العام أصدر في أغسطس 2025 إعلاناً توضيحياً بشأن شرعية تنظيمات العمل، أكد فيه ضرورة التعامل مع التنظيمات المستوفية للصفة القانونية والمعتمدة بشهادة رسمية من المسجل. كما أكد الإعلان أن قانون نقابات العمال لسنة 2010 يقوم على نقابة المنشأة، ورفض ما سماه التنظيمات التي ظهرت بصورة غير قانونية تحت مسمى «نقابة الفئة». لكن الملف لم يغلق نهائياً؛ إذ أعلنت وزارة العدل في مارس 2026 عن اجتماعات لتوفيق أوضاع التنظيمات النقابية والاتحادات المهنية، بهدف استعادة نشاطها وترتيب أوضاعها واسترداد ممتلكاتها. وهذا يعني أن المسألة التنظيمية نفسها كانت لا تزال تحتاج إلى معالجة مؤسسية. رابعاً: الخطر الحقيقي يهدد الاستقرار المهني أخطر ما في النزاع أنه خرج من دائرة البيانات والمواقف إلى دائرة المراكز القانونية والمهنية للمحامين. ففي ديسمبر 2025 أثيرت قرارات وتوجيهات بشأن عدم الاعتداد بالعضويات البطاقية لعدد من المحامين أو حظر تعاملهم النقابي، وأثار ذلك اعتراضاً قانونياً من اللجنة التسييرية التي قالت إن الجهة التي أصدرت هذه القرارات غير مختصة، وأن المساءلة والعقوبات التأديبية لها مسارها وأجهزتها القانونية الرسمية المتمثلة في مجلس تنظيم مهنة القانون ولجان المحاسبة المختصة. وهنا ينبغي أن نتوقف. إذا كان المحامي قد حصل على بطاقته أو سدد اشتراكه لدى جهة تعتمدها إحدى مؤسسات الدولة، ثم جاءت جهة أخرى وطعنت في صفته النقابية، فإننا أمام مشكلة لا ينبغي أن يتحمل المحامي وحده تبعاتها. فالقاعدة القانونية المستقرة أن المراكز القانونية للأفراد لا ينبغي أن تكون رهينة لصراع المؤسسات. خامساً: وماذا عن المواطن الذي يراجع المحامي؟ هذه هي النقطة التي ربما تكون أهم من الخلاف النقابي نفسه. المواطن الذي يأتي إلى مكتب المحامي لا ينبغي أن يُطلب منه أن يكون خبيراً في قوانين النقابات أو في المراسيم الدستورية أو في النزاع بين اللجنة التسييرية والنقابة الجديدة. هو يريد محامياً مرخصاً ذا صفة قانونية، ويريد أن تكون معاملته صحيحة، وأن يكون توكيله أو عقده أو مستنده أو إجراءه أمام المحكمة محمياً من أي طعن بسبب خلاف لا علاقة له به. لذلك فإن استمرار ازدواج المرجعيات يخلق سؤالاً خطيراً: إذا تعامل المواطن مع محامٍ يمارس المهنة بموجب ترخيص رسمي لكنه يتعامل مع إحدى الجهات النقابية المتنازعة، ثم طعنت جهة أخرى في صفة ذلك المحامي، فهل يتحمل المواطن نتيجة هذا النزاع؟ الإجابة التي تقتضيها العدالة هي: لا. فالمواطن لا يجوز أن يتحول إلى ضحية للخلاف المؤسسي. سادساً: لا بد من التمييز بين «النقابة» و«تنظيم المهنة» ومن المهم هنا ألا نخلط بين نقابة المحامين وبين الأجهزة السيادية التي تنظم الدخول إلى مهنة القانون وممارستها. فترخيص ممارسة المحاماة والمساءلة التأديبية هما اختصاص أصيل لـ مجلس تنظيم مهنة القانون (لجنة القبول) بوزارة العدل، وقد واصل المجلس خلال 2026 إجراءاته ومنها امتحانات تنظيم مهنة القانون والإعفاء منها. وهذا يؤكد أن هناك فرقاً بين: تنظيم مهنة المحاماة ومنح ترخيص ممارستها من الناحية القانونية، وبين: التنظيم النقابي وتمثيل المحامين والدفاع عن مصالحهم ورعاية خدماتهم. ومن ثم فإن النزاع حول النقابة لا ينبغي أن يؤدي إلى خلط الاختصاصات بين النقابة وبين الأجهزة القانونية المختصة بتنظيم المهنة وترخيصها. سابعاً: الحل ليس في انتصار طرف ليس المطلوب أن تنتصر اللجنة التسييرية على النقابة الأخرى، ولا أن تنتصر النقابة الأخرى على اللجنة التسييرية. المطلوب أن ينتصر القانون. وذلك لا يتحقق بالبيانات المتبادلة، ولا بتعدد الأختام، ولا بتعدد المواقع الإلكترونية، ولا بإصدار بطاقات أو شهادات متعارضة. بل يتحقق عبر ثلاثة أمور واضحة: تحديد الجهة صاحبة الصفة النقابية بصورة رسمية ونهائية. تحديد الاختصاصات بدقة، بحيث يعرف المحامي أين يسدد اشتراكه، وأين يقدم شكواه النقابية، وأين يحصل على خدماته، مع التأكيد على أن الترخيص المهني والمساءلة التأديبية مرجعهما لجنة القبول. حماية المراكز القانونية والمهنية التي نشأت خلال فترة النزاع، بحيث لا يتحمل المحامي أو المواطن حسن النية آثار الخلاف بين المؤسسات. ثامناً: ماذا عن الإجراءات والخدمات السابقة؟ هذه المسألة تحتاج إلى معالجة صريحة. فإذا كان هناك آلاف المحامين الذين جددوا اشتراكاتهم أو أنجزوا معاملتهم النقابية أو حصلوا على بطاقاتهم من خلال إحدى الجهات، فلا يجوز أن يظلوا في حالة خوف من أن تصبح أوضاعهم النقابية باطلة في المستقبل لمجرد تغير الموقف المؤسسي. والحل القانوني المنطقي هو تنسيق البيانات بين وزارة العدل (لجنة القبول) والمسجل العام لإصدار سجل رسمي موحد ومحدث للمحامين المصرح لهم بممارسة المهنة، يكون متاحاً للمحاكم والنيابة والجهات الحكومية والمواطنين. وبذلك يعرف الجميع: من هو المحامي الممارس والمقيد بسجلات الخدمة؟ ومن أوقف بقرار تأديبي نهائي من لجنة القبول؟ ومن يحق له تمثيل المتقاضين أمام المحاكم؟ بدلاً من أن يطلب من المواطن أن يبحث بنفسه بين بيانات النقابات ومواقفها المتعارضة. كلمة أخيرة نقابة المحامين ليست مجرد جسم نقابي عادي. إنها مرتبطة مباشرة بحق الدفاع، وبحق المواطن في الوصول إلى العدالة، وباستقلال المحامي، وبسلامة الإجراءات القضائية. ولهذا فإن استمرار الخلاف حول الصفة والاختصاص يضر بالجميع. يضر باللجنة التسييرية. ويضر بالنقابة الأخرى. ويضر بالمحامي. والأخطر أنه قد يضر بالمواطن الذي لا ذنب له في هذا النزاع. لقد آن الأوان لأن ينتقل الخلاف من ساحات البيانات إلى ساحة القانون، وأن تكون هناك إجابة رسمية واحدة لا تحتمل التأويل: من هي الجهة صاحبة الصفة في تمثيل المحامين؟ ومن هي الجهة المختصة بتنظيم شؤونهم النقابية؟ وما مصير الإجراءات التي تمت خلال فترة الانقسام؟ هذه ليست أسئلة سياسية. إنها أسئلة قانونية، والإجابة عنها يجب أن تكون قانونية. فاستقلال المحاماة لا يتحقق بتعدد المرجعيات، وإنما بوضوح القانون ووحدة المرجعية واحترام القضاء.

فتح المصدر الأصلي
السيرة الذاتية للكاتب ←

تعليقات القرّاء