التعاقد بالدولار في السودان.. هل يبطل العقد أم تبقى المخالفة في حدود الوفاء؟
المقال يوضح أن تحديد قيمة العقد بالدولار لا يؤدي تلقائيًا إلى بطلانه. الفرق الأساسي هو بين قيمة الالتزام وطريقة السداد؛ وقد تكون المخالفة مرتبطة بتنفيذ الدفع بالنقد الأجنبي لا بالعقد نفسه. والحكم النهائي يعتمد على القانون النافذ وطبيعة المخالفة والجزاء المقرر لها.
ظل التدهور المستمر في قيمة العملة الوطنية وتذبذب أسعار الصرف، أصبح الاتفاق على الدولار الأمريكي أو غيره من العملات الأجنبية أمراً مألوفاً في كثير من المعاملات السودانية، ولا سيما في عقود الإيجار والبيع والخدمات. غير أن شيوع هذه الممارسة في الواقع الاقتصادي لا يحسم حكمها القانوني، كما أن وجود قيود على التعامل بالنقد الأجنبي لا يعني، بالضرورة، أن كل عقد حُدِّد مقابله بالدولار يكون باطلاً. وتنبع أهمية المسألة من ضرورة التمييز بين أمرين قد يبدوان متشابهين، لكنهما مختلفان قانوناً: الاتفاق على قيمة الالتزام بعملة أجنبية، والوفاء الفعلي بذلك الالتزام بالنقد الأجنبي. فالأول يتعلق في الأصل بإنشاء الرابطة العقدية وتحديد مقدار الالتزام، بينما يتعلق الثاني بكيفية تنفيذ الالتزام ومدى خضوع التنفيذ للقواعد المنظمة للنقد الأجنبي.
وهنا تبرز سابقة قضائية سودانية مهمة هي قضية يوراكس أكورد ضد أمين علي حسن، التي نظرتها محكمة استئناف الإقليم الشرقي في 13 يناير 1987م. وتتلخص وقائعها في عقد إيجار لشقتين في بورتسودان، حُددت الأجرة فيه بمبلغ 400 دولار أمريكي شهرياً، تدفع مقدماً كل ستة أشهر، ولمدة عامين. وعندما أُثير أمام المحكمة الدفع بعدم مشروعية العقد لمخالفته قوانين النقد الأجنبي، كان على المحكمة أن تبحث أولاً: هل مجرد الاتفاق على أن تكون الأجرة بالدولار يجعل العقد غير مشروع؟
وكانت إجابة المحكمة واضحة في التمييز بين أصل التعاقد وطريقة تنفيذه، إذ قررت أن «التعاقد بمقابل نقد أجنبي لا يكون مخالفاً للقانون في حد ذاته وإنما المخالفة تجيء بعد ذلك». وخلصت إلى أن العقد، متى استوفى أركانه القانونية من رضا ومحل وسبب، لا يصبح غير مشروع لمجرد أن المقابل حُدد بالنقد الأجنبي، وأن المخالفة التي قد تقع عند التنفيذ تخضع للأحكام والإجراءات التي تنظم التعامل بالنقد الأجنبي.
غير أن أهمية هذه السابقة لا تعني إطلاقها على كل زمان ومكان، ذلك أن قواعد النقد الأجنبي لم تثبت على حالها. فقد جاءت لائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013م في ظل قانون تنظيم التعامل بالنقد لسنة 1981م وتعديلاته، ووضعت تنظيماً أكثر تفصيلاً للتعامل بالنقد الأجنبي. وقد نصت المادة 16 منها على أن الجنيه السوداني هو العملة الوحيدة المبرئة للذمة داخل السودان، ثم جاءت المادة 17 لتقرر، رغم ذلك، جواز بيع وشراء العقارات أو السلع أو الخدمات أو إيجار العقارات وغيرها بالنقد الأجنبي، ولكن بعد الحصول على موافقة المحافظ المسبقة، مع جواز وضع الضوابط والشروط اللازمة لذلك.
وهنا لا يجوز أن تُقرأ سابقة يوراكس أكورد بمعزل عن هذا التطور التشريعي؛ فالسابقة قضت في ظل منظومة قانونية وتنظيمية كانت قائمة وقتها، بينما تخضع المعاملة اللاحقة للقواعد النافذة عند إبرامها وتنفيذها. ومن ثم، فإن تغير النص أو اللائحة قد يؤدي بالضرورة إلى تغير الحكم القانوني للواقعة الجديدة.
لكن يبقى السؤال الأهم: ما أثر مخالفة هذه القواعد على العقد ذاته؟
لا يصح إطلاق القول ببطلان كل عقد حُدِّد مقابله بالدولار لمجرد أن الجنيه السوداني هو العملة المبرئة للذمة داخل السودان، كما لا يصح في المقابل القول بإباحة التعاقد بالدولار دون قيد. فالحكم في المسألة يتوقف على النص القانوني المنطبق، وطبيعة المعاملة، وما إذا كانت المخالفة قد مست أصل العقد أم اقتصرت على طريقة الوفاء به.
وهنا ينبغي التمييز كذلك بين الحظر التنظيمي والجزاء المدني. فقد يجرّم القانون التعامل بالنقد الأجنبي بالمخالفة للضوابط، أو يرتب غرامة أو مصادرة أو جزاءً إدارياً، دون أن يعني ذلك تلقائياً أن العقد المدني الذي نشأت عنه المعاملة قد أصبح باطلاً. فالبطلان جزاء خطير يمس وجود التصرف أو آثاره، ولا ينبغي افتراضه لمجرد وجود مخالفة تنظيمية، وإنما لا بد من سند قانوني يبرره، سواء بنص صريح أو من خلال القواعد العامة على نحو واضح.
ومن زاوية أخرى، فإن تحديد قيمة الالتزام بالدولار لا ينبغي أن يختلط بالضرورة بالوفاء الفعلي بالدولار. فقد يتفق الطرفان على أن يكون الدولار معياراً لقيمة الالتزام، بينما يتم الوفاء فعلياً بالعملة السودانية وفق السعر أو الأساس الذي يحدده القانون أو القضاء. وفي هذه الحالة يكون الدولار وحدة حساب أو معياراً للقيمة، لا بالضرورة وسيلة الدفع ذاتها.
وتؤكد سابقة يوراكس أكورد هذا التمييز بصورة عملية؛ فقد انتهت المحكمة إلى الحكم بمبلغ 5,600 دولار أمريكي أو ما يعادله بالعملة السودانية وفق تقدير بنك السودان، وهو ما يكشف عن إمكان الفصل بين العملة التي قُوِّم بها الالتزام وبين العملة التي ينتهي بها التنفيذ.
ومن ثم، فإن السؤال القانوني الصحيح ليس: هل العقد بالدولار صحيح أم باطل؟ وإنما: هل حظر القانون أصل التعاقد بعملة أجنبية، أم حظر طريقة معينة من طرق التنفيذ؟ وهل اشترط موافقة أو ترخيصاً؟ وهل حصلت الموافقة؟ وهل تم الوفاء فعلياً بالنقد الأجنبي؟ وما الجزاء الذي رتبه القانون على المخالفة؟
وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في ضوء المادة 17 من لائحة 2013، لأنها لا تكتفي بالإشارة إلى الجنيه باعتباره العملة المبرئة للذمة، وإنما تنظم بصورة خاصة الحالات التي يجوز فيها التعامل بالنقد الأجنبي في العقارات والسلع والخدمات والإيجارات، مشترطة موافقة المحافظ المسبقة. ومن ثم، فإن تجاهل هذا الشرط والقول بأن التعاقد بالدولار مباح على إطلاقه سيكون قراءة مبتورة للنص. وفي الوقت ذاته، فإن القفز من مخالفة شرط الموافقة إلى القول ببطلان العقد في جميع الأحوال يحتاج هو الآخر إلى سند قانوني يحدد هذا الأثر.
ولعل القيمة الحقيقية لسابقـة يوراكس أكورد لا تكمن في أنها قررت حرية مطلقة في التعامل بالنقد الأجنبي، وإنما في أنها أرست منهجاً في التفكير القانوني يقوم على الفصل بين العقد وتنفيذه، وبين قيمة الالتزام ووسيلة الوفاء، وبين المخالفة التنظيمية والبطلان المدني. أما تحديد الأثر القانوني للمخالفة، فيبقى رهناً بالنصوص النافذة وقت وقوعها وبطبيعة المعاملة والجزاء الذي رتبه المشرع عليها.
والخلاصة أن تحديد الالتزام بعملة أجنبية لا يؤدي، بمجرده، إلى بطلان العقد، كما أن وجود ضوابط على التعامل بالنقد الأجنبي لا يمكن تجاهله. وإنما يتعين النظر في كل حالة على حدة، لمعرفة ما إذا كان الحظر قد انصرف إلى أصل التصرف أم إلى طريقة تنفيذه، وما إذا كان القانون قد رتب على المخالفة البطلان أم جزاءً آخر.
فالمسألة، في جوهرها، ليست: بأي عملة كُتب العقد؟ وإنما: ماذا اتفق الطرفان عليه، وما الذي حظره القانون تحديداً، وكيف تم تنفيذ الالتزام، وما الجزاء الذي رتبه المشرع؟
وبين هذه الأسئلة يتحدد الفارق الدقيق بين عقد صحيح خالفت طريقة تنفيذه قاعدة تنظيمية، وبين تصرف شابه عيب قانوني يمس مشروعيته ويستوجب البطلان.
