دور سوق الخرطوم للأوراق المالية في إطار إستراتيجية الدولة للإصلاح الاقتصادي
يتناول المقال دور أسواق رأس المال في تمويل التنمية وتحريك المدخرات، والعلاقة بين السوقين الأولية والثانوية، ومساهمة سوق الخرطوم للأوراق المالية في الإصلاح الاقتصادي والخصخصة والحوكمة.
بطاقة التوثيق
الكاتب: المستشار الطيب مضوي شيقوق
المصدر: Facebook — Eltayeb Shaigoog
تاريخ النشر الأصلي: 19 ديسمبر 2019
إعادة المشاركة الموثقة: 9 يونيو 2021
التصنيف: اقتصاد وأسواق المال
فتح المنشور الأصلي على Facebook
دور سوق الخرطوم للأوراق المالية في إطار إستراتيجية الدولة للإصلاح الاقتصادي
لقد أصبحت أسواق رأس المال، في العصر الحديث، حجر الرحى في دعم التنمية الاقتصادية بل منصة رئيسة يتم الاعتماد عليها في خلق شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، ويمكن، من خلال سوق رأس المال، توفير التمويل اللازم وطويل الاجل لتنفيذ مشاريع تنموية واستثمارية ضخمة لا يستطيع مستثمر واحد أو مجموعة صغيرة من المستثمرين تمويل عمليات إنشائها.
ويعتبر تحريك المدخرات واستقطاب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية وتوجيهها إلى المشاريع التنموية، عن طريق الدعوة للاكتتاب العام، إحدى المهام الرئيسة لأسواق رأس المال، الأمر الذي يضمن تمويلاً قليل الكلفة ويوفر فرصًا استثمارية ذات عوائد مناسبة للأفراد والمؤسسات على حد سواء. وكل ذلك ينعكس إيجاباً لضمان التوزيع العادل للثروات الوطنية وتعظيمها.
لقد أثبتت العديد من الدراسات الاقتصادية الحديثة العلاقة الوطيدة ما بين تطور أسواق رأس المال ومعدلات النمو الاقتصادي في أي دولة، حيث تقوم أسواق رأس المال بدفع عملية التنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي من خلال قيامها بعدد من الوظائف الاقتصادية والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:
أ) زيادة معدل النمو في الاقتصاد الوطني، حيث تعمل سوق الأوراق المالية على تشجيع الذين ليست لديهم القدرة في إقامة مشاريع استثمارية على شراء أوراق مالية من الأسهم التي تطرحها الشركات للاكتتاب العام، وهذا يفضي الى زيادة رؤوس أموال تلك الشركات بتمويل طويل الاجل وأقل كلفة.
ب) تقوم سوق الأوراق المالية بنقل الموارد المالية من الفئات التي لديها فائض (وهم المدخرون) إلى الفئات التي تحتاج هذه الأموال (وهم المستثمرون) لإقامة مشاريع استثمارية تدار بمنهج مؤسسي وبمهنية عالية، الأمر الذي ينعكس في زيادة التشغيل وتحسن مستوى المعيشة في المجتمع.
ج) المساهمة في تمويل مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، حيث تقوم سوق الأوراق المالية بتوفير الأموال التي تحتاجها الحكومة لإقامة مشاريعها الاستثمارية، وبالأخص مشاريع البنية التحتية، عن طريق طرحها لأوراق مالية (سندات الدين العام في أنظمة الصيرفة العرفية او الصكوك في النظام الإسلامي). ومن ناحية أخرى تعد هذه الأدوات (صكوك او سندات) وسيلة رئيسية لتمويل العجز المالي من جهة ولإدارة السيولة النقدية من جهة أخري.
د) الحد من معدلات نمو التضخم في هيكل الاقتصاد الوطني، حيث يساعد سوق الأوراق المالية على جذب المدخرات من الأفراد والمؤسسات وبالتالي امتصاص فائض السيولة النقدية وتوجيه هذه المدخرات نحو الاستثمار عوضا عن الاستهلاك.
هـ) الاستفادة من التطورات المالية والاقتصادية العالمية، حيث تعمل سوق الأوراق المالية على زيادة الترابط مع العالم الخارجي عن طريق ارتباطها بالأسواق المالية العالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
و) توفر البورصة مؤشراً يومياً عن حركة نمو الاقتصاد وظروف الاستثمار واتجاهاته، وهو مؤشر يعكس قوة الاقتصاد الوطني أو ضعفه، كما أنه يعكس مستوى الأداء للقطاعات الاقتصادية وكذلك الأداء المالي للشركات الاستثمارية.
تقوم السوق الأولية (وهي سوق إصدار الأوراق المالية للاكتتاب العام) بتنظيم عملية صناعة الأوراق المالية من حيث إصدارها وطرحها على الجمهور. وفي هذه السوق (السوق الأولية) يتم تحريك المدخرات والفوائض المالية المملوكة للأفراد والمؤسسات من دائرة الاكتناز إلى دائرة الاستثمار النافع والمجدي، وتوفير الأموال اللازمة للعمل الإنتاجي ولمشاريع التنمية الاقتصادية المختلفة.
حال الانتهاء من عمليات طرح الأوراق المالية وتخصيص كل أو بعض الأسهم المطروحة للمكتتبين، يتم إدراج تلك الأسهم في البورصة ليتم تداولها بين جمهور المستثمرين عبر شركات الوساطة أو السمسرة وفي مزاد مفتوح يسمى، في عرف البورصات، بقاعة التداول (أي قاعة عروض أوامر البيع وعروض أوامر الشراء).
إن نجاح السوق الثانوية وزيادة نشاطها يضفي على الأوراق المالية جاذبية تعمل على استقطاب المدخرين، وهذا ينعكس إيجابياً على السوق الأولية للإصدارات، حيث يؤدي نجاح السوق الثانوية إلى زيادة إقبال المستثمرين وتفاعلهم مع عمليات السوق الأولية المتمثلة في الإصدارات والاكتتابات الجديدة سواء كانت الشركات جديدة تؤسس لأول مرة، أو لزيادة رؤوس أموال الشركات القائمة لتقوم بتطوير عملياتها الإنتاجية، وهذا بلا شك يعظم من فرص إنشاء وتأسيس شركات مساهمة عامة جديدة ويعتبر هذا من أهم الأهداف التي تسعى سوق الأوراق المالية لتحقيقها.
من هنا نخلص إلى القول بأن هنالك علاقة بين نشاط كل من السوقين الأولية والثانوية، فكلاهما تؤثر في الأخرى وتتأثر بها، فكل ما يتحقق في السوق الثانوية من مستويات نشاط مرتفعة ينعكس أثره الإيجابي في عمليات السوق الأولية. فالسوق الثانوية، ذات الكفاءة العالية والقدرة على إضفاء السيولة والضمان والربحية على الورقة المالية المتداولة في قاعتها بناء على أسس عادلة وسليمة، تعمل على تشجيع الجمهور على توجيه مدخراتهم نحو الاستثمار عن طريق الاكتتاب في أي إصدارات جديدة للأوراق المالية، كما أن نجاح عمليات السوق الأولية في تغطية إصداراتها وزيادة حجم مشاركة الأفراد في عملياتها ينعكس إيجابياً على نشاط السوق الثانوية وينتج عن ذلك زيادة في احجام تداول الأوراق المالية في البورصة.
لقد اتجهت اغلب دول العالم، في عصرنا هذا، الى خصخصة بعض مؤسساتها العامة عن طريق تخصيص جزء من المؤسسات والمشاريع الحكومية القائمة وطرح جزء من رأسمالها للجمهور، وهذا الخيار قد يكون الأمثل في المرحلة الحالية وذلك للمزايا الكثيرة التي يمكن أن يوفرها والتي من ضمنها:
تخفيض العجز في الموازنة العامة بالقضاء على الدعم الموجه للمؤسسات المملوكة للدولة والحصول على إيرادات من عائدات البيع والتحرر من تمويل القطاعات التي تحتاج لرؤوس أموال كبيرة.
تحسين الكفاءة الكلية للاقتصاد وتسريع النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل واستخدام عائدات التخصيص لتعزيز التنمية في قطاعات اقتصادية أخرى.
تحسين المالية العامة من خلال تخفيف الأعباء المالية والإدارية عن الحكومة، وتقليل آثار أية مخاطر قد تتعرض لها تلك المشاريع.
إعادة هيكلة وتحسين فعالية المؤسسات المملوكة للدولة (تشمل التمويل، الإدارة، الممارسة والتقنية)، وإتاحة وضع أفضل لتنويع الاستثمار وتحقيق خطط التوسع فيها وتوفير تقييم صحيح وعادل لقيمة الأصول وضمان مستوى أعلى من الرقابة والشفافية في الأداء.
استقطاب سيولة إضافية في القطاع المصرفي من خارج الدولة، فعادة ما يستقطب تخصيص المشاريع الكبيرة مالية ضخمة إلى داخل الدولة.
توزيع الثروة وتوسيع الملكية من خلال إشراك قاعدة أوسع من المواطنين في التنمية الاقتصادية.
وأخيرا فإنني أرى، ونحن نستشرف عهد جديد، بعد زوال حقبة الفساد والمحسوبية التي شهدتها بلادنا لمدة ثلاث عقود، وبعد ان اشرقت على بلادنا شمس الحرية والعدالة والشفافية، مخضبة بدماء شهداء وجرحى ثورة التاسع عشر من ديسمبر 2019 م، أرى ان يكون العهد الجديد، الذي انطلق بالدعوة لإعادة بناء المؤسسات في اطار الحكم الراشد، فرصة طيبة للتنسيق وتضافر الجهود بين القائمين على إدارة سوق الخرطوم للأوراق المالية والمؤسسات الاقتصادية ذات الصلة بصناعة الأوراق المالية بالدولة، وذلك من خلال إعداد إستراتيجية موحدة تهدف الى تطوير البنيات التحتية والتشريعية للبورصة، لاسيما فيما يتعلق بحوكمة الشركات المدرجة فيها، وحتى تصبح البورصة مؤهلة للتناغم مع المؤسسات المالية الأخرى لتنفيذ مشاريع تنموية كبيرة قوامها الاعتماد، بشكل أساسي، على قطاع سوق رأس المال في التمويل وخلق شراكة حقيقية مع القطاع الخاص.
